الآلوسي
151
تفسير الآلوسي
وأجاب الآمدي بأن المعنى خير من تسمى بهذا الاسم وأطلق عليه حقيقة أو مجازاً وهو ضرب من عموم المجاز . * ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَاؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ) * . * ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَميعاً ) * أي المستكبرين والمستضعفين أو الفريقين وما كانوا يعبدون من دون الله عز وجل ، و * ( يوم ) * ظرف لمضمر متقدم أي واذكر يوم أو متأخر أي ويوم نحشرهم جميعاً * ( ثُمَّ يَقُولُ للْمَلاَئكةَ ) * إلى آخر يكون من الأحوال والأهوال ما لا يحيط به نطاق المقال ، وظاهر العطف بثم يقتضي أن القول للملائكة متراخ عن الحشر وفي الآثار ما يشهد له ، فقد روى أن الخلق بعد أن يحشروا يبقون قياماً في الموقف سبع آلاف سنة لا يكلمون حتى يشفع في فصل القضاء نبينا صلى الله عليه وسلم فلعله عند ذلك يقول سبحانه للملائكة عليهم السلام : * ( أَهَاؤُلاَء إيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ) * تقريعاً للمشركين وتبكيتاً وإقناطاً لهم عما علقوا به أطماعهم الفارغة من شفاعة الملائكة عليهم السلام لعلمه سبحانه بما تجيب به على نهج قوله تعالى لعيسى عليه السلام * ( أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين ) * ( المائدة : 116 ) وتخصيصهم بالذكر لأنهم أشرف شركاء المشركين الذين لا كتاب لهم والصالحون عادة للخطاب وعبادتهم مبدأ الشرك بناء على ما نقل ابن الوردي في " تاريخه " في أن سبب حدوث عبادة الأصنام في العرب أن عمرو بن لحي مر بقوم بالشام فرآهم يعبدون الأصنام فسألهم فقالوا له هذه أرباب نتخذها على شكل الهياكل العلوي فنستنصر بها ونستسقي فتبعهم وأتى بصنم معه إلى الحجاز وسول للعرب فعبدوه واستمرت عبادة الأصنام فيهم إلى أن جاء الإسلام وحدثت عبادة عيسى عليه السلام بعد ذلك بزمان كثير فبظهور قصورهم عن رتبة المعبودية وتنزههم عن عبادتهم يظهر حال سائر الشركاء بطريق الأولوية . و * ( هؤلاء ) * مبتدأ و * ( كانوا يعبدون ) * خبره و * ( إياكم ) * مفعول * ( يعبدون ) * قدم للفاصلة مع أنه أهم لأمر التقريع واستدل بتقديمه على جواز تقديم خبر كان إذا كان جملة عليها كما ذهب إليه ابن السراج فإن تقديم المعمول مؤذن بجواز تقديم العامل . وتعقبه أبو حيان بأن هذه القاعدة ليست مطردة ثم قال : والأولى منع ذلك إلا أن يدل على جوازه سماع من العرب ، وقرأ جمهور القراء * ( نحشرهم . ثم نقول ) * بالنون في الفعلين . * ( قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ ) * . * ( قَالُوا ) * استئناف بياني كأنه قيل : فماذا تقول الملائكة حينئذ ؟ فقيل تقول منزهين عن ذلك * ( سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَليُّنَا مِنْ دُونهمْ ) * والعدول إلى صيغة الماضي للدلالة على التحقق أي أنت الذي نواليه من دونهم لا موالاة بيننا وبينهم كأنهم بينوا بذلك براءتهم من الرضا بعبادتهم ثم أضربوا عن ذلك ونفوا أنهم عبدوهم حقيقة بقولهم : * ( بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجنَّ ) * أي الشياطين كما روى عن مجاهد حيث كانوا يطيعونهم فيما يسولون لهم من عبادة غير الله تعالى ، وقيل صورت الشياطين لهم صور قوم من الجن وقالوا : هذه صور الملائكة فاعبدوها فعبدوها ، وقيل : كانوا يدخلون في أجواف الأصنام إذا عبدت فيعبدون بعبادتها ، وقيل أرادوا أنهم عبدوا شيئاً تخيلوه صادقاً على الجن لا صادقاً علينا فهم يعبدون الجن حقيقة دوننا ، وقال ابن عطية : يجوز أن يكون في الأمم الكافرة من عبد الجن وفي القرآن آيات يظهر منها أن الجن عبدت في سورة الأنعام وغيرها * ( أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمنُونَ ) * الضمير الثاني للجن والأول للمشركين ، والأكثر على ظاهره لأن من المشركين من لم يؤمن بهم وعبدهم اتباعاً لقومه كأبي طالب أو الأكثر بمعنى الكل ، واختار في البحر الأول لأن كونه بمعنى الكل ليس حقيقة وقال : إنهم لم يدعوا الإحاطة إذ يكون في الكفار من لم يطلع الله تعالى الملائكة عليهم السلام عليهم أو أنهم حكموا على الأكثر بايمانهم بالجن لأن الايمان من أعمال القلب فلم يذكروا الاطلاع على عمل جميع قلوبهم لأن ذلك